أبي منصور الماتريدي

357

تأويلات أهل السنة ( تفسير الماتريدي )

ثم فيه الإقرار بوحدانيته في إنشاء البريّة كلها ، وتحقيق الربوبية له عليها بقوله : رَبِّ الْعالَمِينَ وكل واحد منها يجمع خصال خير الدارين ، ويوجب القائل به - عن صدق القلب - درك الدارين . ثم الوصف لله - عزّ وجل - بالاسمين يتعالى عن أن يكون لأحد من معناهما حقيقة ، أو يجوز أن يكون منه الاستحقاق نحو « الله » و « الرحمن » . ثم الوصف بالرحمة التي بها نجاة كل ناج ، وسعادة كل سعيد ، وبها يتقى المهالك كلها مع ما من رحمته خلق الرحمة التي بها تعاطف بينهم وتراحمهم . ثم الإيمان بالقيامة بقوله تعالى : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) مع الوصف له بالمجد ، وحسن الثناء عليه . ثم التوحيد ، وما يلزم العباد من إخلاص العبادة له ، والصدق فيها ، مع جعل كل رفعة وشرف منالا به عزّ وجل . ثم رفع جميع الحوائج إليه ، والاستعانة به على قضائها ، والظفر بها على طمأنينة القلب وسكونه ، إذ لا خيبة عند معونته ، ولا زيغ عند عصمته . ثم الاستهداء إلى ما يرضيه ، والعصمة عما يغويه في حادث الوقت ، على العلم بأنه لا ضلال لأحد مع هدايته في التحقيق . والرجاء والخوف من الله لا من غيره . وعلى ذلك جميع معاملات العباد ، ومكاسبهم على الرجاء من الله تعالى أن يكون جعل ذلك سببا به يصل إلى مقصوده ، ويظفر بمراده . ولا قوة إلا بالله . قوله تعالى : [ سورة الفاتحة ( 1 ) : الآيات 2 إلى 4 ] الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ ( 2 ) الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ( 3 ) مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) قوله عزّ وجلّ : الْحَمْدُ لِلَّهِ . احتمل : أن يكون جلّ ثناؤه حمد نفسه ؛ ليعلم الخلق استحقاقه الحمد بذاته ؛ فيحمدوه . فإن قيل : كيف يجوز أن يحمد نفسه ، ومثله في الخلق غير محمود ؟ ! قيل له : لوجهين : أحدهما : أنّه استحقّ الحمد بذاته ، لا بأحد ؛ ليكون في ذلك تعريف الخلق لما يزلفهم لديه بما أثنى على نفسه ؛ ليثنوا عليه . وغيره إنما يكون ذلك له به - جل وعزّ - فعليه : توجيه الحمد إليه لا إلى نفسه ؛ إذ نفسه لا تستوجبه بها ، بل بالله تعالى .